مصادرة منازل المدنيين وأراضيهم في سوريا: حقوق أصحاب المنازل ورجال الأعمال والمغتربين في خطر

من المنازل العائلية والعقارات التجارية إلى الأراضي الزراعية في قدسيا وجوبر والقابون، تثير النزاعات العقارية تساؤلات عاجلة بشأن الملكية والتعويض والعدالة، في وقت تواجه فيه سوريا تحدي إعادة الإعمار.
منازل المدنيين وعقارات المغتربين: الغياب لا يعني التخلي عن الملكية
بعد سنوات من الصراع والنزوح والصعوبات الاقتصادية، اضطر آلاف السوريين إلى مغادرة منازلهم والبحث عن الأمان أو فرص العمل في الخارج. وقد ترك كثيرون وراءهم منازل ومحال تجارية وأعمالًا وأراضي تمثل حصيلة عمر من العمل والادخار.
وبالنسبة إلى بعض أصحاب العقارات، أصبح الرجوع إلى سوريا أو إدارة ممتلكاتهم من الخارج أمرًا صعبًا. فالمسافة، والوثائق المفقودة، والعقود المتنازع عليها، والإجراءات الإدارية المعقدة، كلها عوامل قد تجعل حماية حقوقهم العقارية أكثر صعوبة.
كما أُثيرت مخاوف في حالات فردية بشأن الاستيلاء المزعوم على عقارات من خلال وثائق مزورة، أو عمليات بيع مشكوك فيها، أو وكالات قانونية متنازع عليها، أو استغلال غياب المالك.
ولا تقتصر هذه المخاوف على أصحاب المنازل العاديين. فرجال الأعمال الذين أنشؤوا عقارات تجارية، والعائلات التي ورثت منازل، والمغتربون الذين استثمروا مدخراتهم في وطنهم، قد يواجهون جميعًا حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل ممتلكاتهم.
ومع ذلك، يجب فحص كل حالة على حدة. فالمعاملة العقارية المتنازع عليها، والإشغال غير القانوني، والنقل الاحتيالي المزعوم للملكية، ونزع الملكية من قبل الحكومة، كلها حالات مختلفة من الناحية القانونية. ويتطلب تحديد ما حدث فحص سجلات الملكية والعقود والأحكام القضائية وغيرها من الأدلة ذات الصلة.
ويجب أن يظل مبدأ واحد واضحًا: إن مغادرة البلاد بسبب الحرب أو انعدام الأمن أو الضرورة الاقتصادية لا تعني، بحد ذاتها، أن المالك قد تخلى عن ممتلكاته.
قدسيا: ملكية الأراضي والتساؤلات المحيطة بمشاريع التطوير
حظيت قضية الأراضي المستملكة في قدسيا، بريف دمشق، باهتمام متجدد وسط النزاعات المتعلقة بملكية الأراضي والتعويضات ومشاريع التطوير السكني والاستثماري المقترحة.
ويقول بعض المطالبين بحقوق الملكية إن عائلاتهم كانت تمتلك أراضي تأثرت بقرارات استملاك سابقة، وإنهم يسعون إلى توضيح الوضع القانوني لعقاراتهم والتعويضات التي قد يحق لهم الحصول عليها.
كما أُثيرت مخاوف بشأن مشاريع التطوير، بما في ذلك ما إذا كانت حقوق المالكين الأصليين قد أُخذت في الاعتبار على النحو الكافي قبل المضي قدمًا في خطط البناء والاستثمار.
ولا تتمثل القضية الأساسية في ما إذا كانت سوريا بحاجة إلى الإسكان والاستثمار وإعادة الإعمار. فهي بحاجة إليها بالفعل. بل يتمثل السؤال في ما إذا كان بالإمكان تحقيق هذه الأهداف مع احترام حقوق الملكية القائمة وضمان المعاملة العادلة لمن يدّعون ملكيتها.
وقبل إدراج الأراضي المتنازع عليها ضمن مشاريع تطوير جديدة، ينبغي للسلطات المعنية أن تحدد بوضوح مالكيها، والقرارات القانونية التي تؤثر فيها، وما إذا كان التعويض قد دُفع، وما إذا أُتيحت للمالكين المتضررين فرصة حقيقية للطعن في القرارات التي يعتبرونها غير قانونية أو غير عادلة.
وإذا اعتقد أصحاب العقارات أن أراضيهم قد أُخذت دون أسس قانونية كافية أو دون تعويض، فينبغي أن تتاح لهم إمكانية اللجوء إلى آلية مستقلة وشفافة يمكن من خلالها مراجعة مطالباتهم.
ويجب ألا تؤدي مشاريع التطوير إلى وضع يتعذر الرجوع عنه، يجد فيه المالكون الأصليون أنفسهم عاجزين عن استعادة حقوقهم بعد أن تكون أراضيهم قد خضعت بالفعل للتغيير.
جوبر والقابون: يجب ألا تأتي إعادة الإعمار على حساب حقوق الملكية
في جوبر والقابون، وهما حيان في دمشق تضررا بشدة جراء الحرب، تتجاوز إعادة الإعمار مجرد إعادة بناء المباني المتضررة. فهي تثير أيضًا تساؤلات صعبة بشأن مالكي الأراضي، وكيفية احتساب قيم العقارات، والحقوق التي سيحتفظ بها السكان بموجب خطط التطوير الجديدة.
وبالنسبة إلى العائلات التي دُمّرت منازلها وأعمالها أو تضررت، قد تمثل الأراضي التي تقوم عليها تلك المباني أثمن الأصول المتبقية لديها. وقد أعرب بعض المالكين عن مخاوفهم بشأن ترتيبات إعادة الإعمار المقترحة، بما في ذلك توزيع حصص الأراضي أو المباني بين المالكين الأصليين والمستثمرين.
وقد تصبح هذه الترتيبات موضع خلاف حاد، خصوصًا عندما يعتقد المالكون أن حصتهم في المشروع المستقبلي ستكون أقل بكثير من قيمة عقاراتهم الأصلية، أو عندما يشعرون بأنهم لم يحصلوا على معلومات كافية بشأن الشروط المقترحة.
تتطلب إعادة الإعمار تمويلًا كبيرًا وخبرات فنية وتعاونًا بين السلطات العامة والمستثمرين من القطاع الخاص. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى الاستثمار لا ينبغي أن تلغي الحاجة إلى الشفافية والتشاور والضمانات القانونية.
وينبغي أن يتمكن أصحاب العقارات من فهم الخطط المقترحة، وتقييم كيفية احتساب حقوقهم وتعويضاتهم، والحصول على استشارات قانونية مستقلة، والطعن في القرارات عبر القنوات القانونية المناسبة.
إن تدمير المنزل لا يلغي ملكية الأرض التي كان قائمًا عليها. كما لا ينبغي اعتبار النزوح أو الضائقة المالية أو عدم القدرة على إعادة البناء فورًا أسبابًا كافية لحرمان شخص من ممتلكاته.
ويجب أن يتحدد مستقبل جوبر والقابون من خلال عملية تعترف بحقوق المالكين الأصليين، مع السماح بمضي إعادة الإعمار قدمًا وفق قواعد واضحة وعادلة.
منازل وأعمال يُزعم أنها انتُزعت من أصحابها
في مختلف أنحاء سوريا، وردت مخاوف بشأن إشغال ممتلكات خاصة أو نقل ملكيتها بينما يكون أصحابها الأصليون نازحين أو مقيمين في الخارج.
وفي بعض الحالات، تتعلق الادعاءات بعمليات بيع متنازع عليها، أو وكالات قانونية مشكوك فيها، أو وثائق مزورة، أو إشغال منازل وأراضٍ دون موافقة المالك. وفي حالات أخرى، يتمحور النزاع الأساسي حول صحة قرار إداري أو عقد أو ادعاء بالملكية.
تتطلب هذه الحالات تحقيقًا دقيقًا. فليست كل معاملة متنازع عليها سرقة، وليس كل ادعاء دليلًا على مسؤولية جنائية. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي تجاهل الادعاءات المتعلقة بتزوير الوثائق أو الإكراه أو الإشغال غير القانوني لمجرد أن المالك المتضرر غائب أو غير قادر على متابعة القضية فورًا.
وينبغي لنظام موثوق لحماية حقوق الملكية أن يوفر وسيلة لتسجيل الشكاوى وحفظ الوثائق ذات الصلة والتحقيق في المخالفات المشتبه بها ومنع نقل الأصول المتنازع عليها بطرق قد تقوّض أي قرار قانوني مستقبلي.
وعندما تثبت المخالفات القانونية، ينبغي مساءلة الأطراف المسؤولة وفقًا للإجراءات القانونية الواجبة. أما عندما تكون الملكية محل نزاع حقيقي، فينبغي تسوية القضية من خلال إجراءات قانونية محايدة، لا عبر النفوذ أو الترهيب أو فرض أمر واقع على الأرض.
الأراضي الزراعية: حماية الملكية وسبل العيش
الأراضي الزراعية ليست مجرد أصول مالية. فهي بالنسبة إلى كثير من العائلات السورية مصدر دخلها الرئيسي، ورابط يصلها بأجيال من العمل والتاريخ العائلي.
وقد أثارت تقارير عن عمليات استيلاء مزعومة على الأراضي في أجزاء من شمال سوريا مخاوف بشأن منع المالكين من الوصول إلى حقولهم أو زراعتها. وتتطلب هذه الادعاءات تحقيقًا مستقلًا، بما في ذلك التحقق من سجلات الأراضي، وتحديد الجهات التي تسيطر عليها، وفحص أي ادعاءات تفيد بأن الإشغال تم بمساعدة رسمية.
وعندما يُمنع المزارع من الوصول إلى أرض يملكها قانونيًا، فإن العواقب تتجاوز خسارة العقار نفسه. فقد تفقد الأسرة محصولها ودخلها وقدرتها على إعالة نفسها.
ولذلك، يجب أن تحمي أي استجابة كلاً من الملكية وإمكانية الوصول الفعلي إلى الأرض. وينبغي للسلطات التحقيق في الشكاوى الموثوقة، ومنع التهديدات أو الإكراه، وضمان معالجة النزاعات من خلال الإجراءات القانونية.
وتنطبق المبادئ نفسها على الأراضي الزراعية في سائر أنحاء البلاد: يجب احترام الملكية، وفحص الأدلة، وعدم السماح لأي طرف بفرض مطالبة دائمة لمجرد احتلال الأرض أو منع مالكها الشرعي من العودة إليها.
ماذا عن حقوق رجال الأعمال والسوريين المقيمين في الخارج؟
استثمر العديد من رجال الأعمال والمغتربين السوريين في المنازل والمحلات التجارية والمستودعات والمكاتب والأراضي قبل مغادرة البلاد. وتمثل هذه الأصول بالنسبة إلى بعضهم مدخرات التقاعد، وبالنسبة إلى آخرين ميراثًا عائليًا أو أساسًا لأعمال تجارية بُنيت على مدى عقود.
ويجب ألا يجعلهم غيابهم أكثر عرضة لخسارة ما يمتلكونه بصورة قانونية.
وينبغي لنظام عادل لحماية الملكية أن يسمح للمالكين المقيمين في الخارج بتقديم مطالباتهم عن بُعد، وتعيين ممثلين قانونيين مفوضين، والحصول على معلومات موثوقة بشأن ممتلكاتهم، والطعن في المعاملات المشبوهة دون عوائق غير ضرورية.
كما ينبغي للسلطات التحقق مما إذا كانت عمليات نقل الملكية قد تمت بموافقة حقيقية من المالك، وما إذا كانت الوثائق التي تستند إليها تلك العمليات أصلية.
وعندما يكون العقار موضوع نزاع قانوني مشروع، قد تكون هناك حاجة إلى ضمانات مؤقتة لمنع بيعه أو تغييره أثناء النظر في القضية، شريطة أن تكون هذه التدابير مصرحًا بها قانونًا وأن تحترم حقوق جميع الأطراف.
إن استعادة ثقة المغتربين والمستثمرين لا تعتمد فقط على تشجيعهم على العودة أو الاستثمار، بل تعتمد أيضًا على إثبات أن حقوق ملكيتهم القائمة ستظل محمية.
ما الذي ينبغي فعله لمنع المزيد من خسارة الممتلكات؟
تتطلب معالجة النزاعات العقارية في سوريا أكثر من مجرد التصريحات العامة. فهي تحتاج إلى إجراءات شفافة وسجلات متاحة ووسائل قانونية فعّالة للانتصاف.
وهناك عدة خطوات أساسية:
- مراجعة سجلات الملكية: فحص قيود السجل العقاري وعقود البيع والوكالات القانونية وقرارات الاستملاك عندما تُثار مخاوف موثوقة.
- حماية المالكين النازحين والمغتربين: ضمان ألا تحول الإقامة خارج سوريا دون تقديم المطالبات أو الدفاع عن الحقوق القانونية.
- التحقيق في الاحتيال المزعوم والإشغال غير القانوني: فحص الأدلة المتعلقة بالوثائق المزورة والإكراه والتحويلات المشبوهة والسيطرة غير المصرح بها على الممتلكات.
- زيادة الشفافية في مشاريع إعادة الإعمار: نشر خطط التطوير ذات الصلة، وشرح كيفية احتساب التعويضات وحصص الملكية، وتزويد المالكين المتضررين بمعلومات كافية قبل أن تصبح القرارات نهائية.
- إتاحة اللجوء إلى مراجعة قانونية مستقلة: ضمان قدرة الأفراد على الطعن في القرارات المتنازع عليها والحصول على جلسة استماع عادلة دون ترهيب أو تأثير غير مشروع.
- حماية العقارات المتنازع عليها: عندما يكون ذلك مبررًا قانونيًا، منع بيع الأصول المتنازع عليها أو هدمها أو إعادة تطويرها إلى حين حسم المسائل الأساسية المتعلقة بالملكية.
- ضمان المساءلة والإجراءات القانونية الواجبة: التحقيق في الادعاءات الموثوقة بصرف النظر عن الأطراف المعنية، مع حماية قرينة البراءة وحقوق جميع المتضررين.
الخاتمة: يجب أن تبدأ إعادة الإعمار باحترام الملكية
من قدسيا إلى جوبر والقابون، ومن المنازل العائلية والعقارات التجارية إلى الأراضي الزراعية، تشكّل النزاعات العقارية تحديًا جوهريًا لمستقبل سوريا.
تحتاج البلاد إلى إعادة الإعمار والاستثمار والمساكن الجديدة والتعافي الاقتصادي. لكن لا يمكن تحقيق هذه الأهداف بصورة مستدامة إذا كان المالكون الأصليون يخشون فقدان منازلهم أو أراضيهم أو أعمالهم بسبب إجراءات غير واضحة أو قرارات لا يستطيعون الطعن فيها بفعالية.
وبالمثل، يجب التحقيق في الاتهامات بعدالة، والاستناد إلى الأدلة، وتسويتها عبر الإجراءات القانونية بدلًا من التكهنات العامة أو إلقاء اللوم الجماعي.
وينبغي أن تكون الأولوية لتحديد الحقائق، وتحديد المالكين الشرعيين، ومراجعة المعاملات المتنازع عليها، وتقديم تعويض عادل عندما يقتضيه القانون، واستعادة العقارات عندما يثبت الاستيلاء غير القانوني عليها.
المنزل أكثر من مجرد مبنى. والأرض أكثر من مجرد فرصة استثمارية. فهذه الممتلكات تمثل بالنسبة إلى كثير من العائلات السورية أمنها وسبل عيشها وتاريخها وأملها في العودة إلى الوطن.
لن تحظى إعادة الإعمار بثقة عامة دائمة إلا عندما تحمي تلك الحقوق، وتعامل أصحاب العقارات بإنصاف، وتضمن ألا تأتي إعادة بناء البلاد على حساب الأشخاص الذين ترتبط حياتهم ومستقبلهم بالأرض.